الشنقيطي
208
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
في المجرد : هي التي تأكل القذر ، فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها . وفي بيضها روايتان : وإن كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها ، وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد ، ولا هو ظاهر كلامه ، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها ويعفى عن اليسير ، وقال الليث إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها إلا الرجيع وما أشبهه ، وقال ابن أبي موسى في الجلالة روايتان : إحداهما : أنها محرمة . والثانية : أنها مكروهة غير محرمة ، وهذا قول الشافعي ، وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتّى تحبس ، ورخص الحسن في لحومها وألبانها ؛ لأن الحيوانات لا تتنجس بأكل النجاسات ؛ بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه ، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسا ، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال ، ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس ا ه . والظاهر كراهة ركوب الجلالة ، وهو مكروه عند الشافعي ، وأحمد وعمر وابنه عبد اللّه ، وروي عن ابن عمر مرفوعا كراهة ركوب الجلالة ، أخرجه البيهقي « 1 » وغيره « 2 » . والسخلة المرباة بلبن الكلبة حكمها حكم الجلالة فيما يظهر ، فيجري فيها ما جرى فيها ، واللّه تعالى أعلم . ومن ذلك الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات أو سمدت بها فأكثر العلماء على أنها طاهرة ، وأن ذلك لا ينجسها ، وممن قال بذلك مالك والشافعي وأصحابهما خلافا للإمام أحمد ، وقال ابن قدامة في « المغني » وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات ، أو سمدت بها ، وقال ابن عقيل يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم ؛ ولا يحكم بتنجيسها ، لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاستحالة ؛ كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما ، ويصير لبنا . وهذا قول أكثر الفقهاء ؛ منهم أبو حنيفة والشافعي ، وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعرة ويقول : مكتل عرة مكتل بر ، والعرة : عذرة الناس ، ولنا ما روي عن ابن عباس : كنا نكري أراضي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونشترط عليهم ألا يدملوها بعذرة الناس ، ولأنها تتغذى بالنجاسات ، وتترقى فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر ، فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات . كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات » . أه من المغني بلفظه . قوله تعالى : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [ 148 ] الآية . ذكر في هذه الآية الكريمة أنهم سيقولون : لو شاء اللّه ما أشركنا ، وذكر في غير في
--> ( 1 ) السنن الكبرى ، كتاب الضعايا 9 / 333 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأطعمة حديث 3787 .